اول مرة رايت ميشلين عواد لم اكن اعرف انني اشهد مشهدا سيبقى. لم تكن صورة سياسية ولا خبرا عاجلا. كانت لحظة عابرة لكنها بقيت. كانت تحمل حذاءها الاصفر الفاقع ذا الكعب العالي بيدها، وترمي الحجارة بيدها الاخرى على دوريات الجيش الصهيوني. لم افهم وقتها معنى المقاومة، ولم اكن بحاجة الى تعريف. فهمتها كما تفهم الطفلة الاشياء، من هيئتها، من وقفتها، من توازن الجسد وهو يختار ان يثبت نفسه.
كبرت تلك الصورة معي. لم تختف بل عادت في اشكال اخرى. صرت ارى ميشلين في امي، حين كانت تضع لافتة المهمات الطبية على الزجاج الامامي للسيارة، وتمضي الى عملها كل صباح، وتعود في المساء، حتى في ايام الاجازة. لم تكن تقول الكثير، ولم تكن تشرح لماذا تفعل ذلك. كانت تفعل فقط، وكأن الفعل وحده كاف، وكأن الحياة الفلسطينية لا تحتمل الشرح.
رايتها ايضا في جارتنا ام عمر، وهي توبخ جنود الاحتلال امام منزلنا في عمارة الزهارنة القديمة في شارع الجلاء. لم تكن تصرخ، ولم تكن تستعرض شجاعة. كانت تقف في مكانها، كما يقف من يعرف ان المكان له. ورايت الصورة ذاتها مرة اخرى في انطي غادة، وهي تسرع خطواتها، وشعرها لا يزال يحمل رائحة العطر بعد الصالون، لتتحدث بالانجليزية الواضحة مع الجنود المصطفين امام بوابة منزلنا، مطالبة اياهم بافساح الطريق للسكان الاصليين. ذلك المنزل الذي كان محتلا الا من بعض طوابقه. كانت الكلمات هادئة، لكن معناها لم يكن كذلك.
مع الوقت فهمت ان ما رايته لم يكن مصادفات، ولا نماذج فردية استثنائية. بل شيئا يتكرر لان له جذورا. كان نمطا من الحضور، وطريقة في العيش. الناس كانوا يعرفون ماذا يفعلون، من غير شرح، ومن غير انتظار اعتراف.
هكذا فهمت مجتمع الفلسطينيين المسيحيين الذي لطالما عشت معه. لا كاقلّية، ولا كجماعة تبحث عن حماية، بل كجزء طبيعي من هذا النسيج. حضورهم كان فعليا في التعليم، في الصحافة، في العمل العام، وفي تفاصيل الحياة اليومية نفسها. يشبه حضور امي، وام عمر، وانطي غادة. هادئا، ثابتا، وعنيدا.
لاحقا، فهمت ان هذا الحضور لم يكن محصورا في الذاكرة، ولا في النساء اللواتي عرفتهن في الشارع والبيت. رأيته بوضوح في شيرين ابو عاقلة. صحفية فلسطينية مسيحية، معرّفة بوضوح كصحافة، وصوتها مألوف في بيوت لا تحصى. كانت تقف في المكان ذاته الذي وقف فيه غيرها، بهدوء وثبات، وتؤدي ما يجب فعله من دون استعراض.
في عام ٢٠٢٢، قتلت شيرين برصاص قناص اسرائيلي بينما كانت تغطي الاحداث في جنين. كانت بالضبط من يفترض هذا الخطاب الاسطوري انه يحميهم. ومقتلها لم يكن خرقا لقاعدة، بل تأكيدا لها.
في فلسطين لم يكن الانتماء الديني يوما بطاقة تعريف سياسية، ولا معيارا للنجاة او للاستثناء. قبل ان يعاد ترتيب الارض بمنطق الاستعمار، وقبل ان تختزل البلاد الى مسألة قابلة للتقسيم، كان المجتمع الفلسطيني يبنى كيانا حيا متداخل الهويات. لا يقوم على الفرز، ولا يحتاج الى وصاية اخلاقية.
ضمن هذا السياق لم يكن المسيحيون الفلسطينيون اقلية تستدعى للتجميل، بل جزءا بنيويا من المجتمع. لم يعرف حضورهم عبر الكنيسة وحدها، بل عبر المدرسة، والمطبعة، والمنبر، والجامعة، والمنفى. كانوا جزءا من انتاج المعرفة، واللغة، والوعي. لا شهودا على الهامش.
لهذا حين تقدم الصهيونية نفسها اليوم بوصفها مشروعا حاميا للاقليات، لا يمكن قراءة هذا الادعاء كسوء فهم تاريخي. بل كاعادة كتابة متعمدة لوظيفة التطهير العرقي. فالاستعمار لا يحتاج الى ابادة الجميع. يكفيه ان يفكك المجتمع من داخله، ان يعطل ادواته، وان يحول الفاعلين الى شواهد صامتة.
لم يستهدف المسيحيون الفلسطينيون لانهم مسيحيون، بل لانهم فلسطينيون. ولانهم بحكم موقعهم في هذا النسيج كانوا جزءا من العمود الفقري لمجتمع عرف كيف يسمي نفسه، ويكتب تاريخه، ويدافع عن حضوره في العالم.
في مطلع القرن العشرين لم يكن التعليم في فلسطين نشاطا تبشيريا، ولا ملحقا بادارة امبراطورية. خليل السكاكيني ابن عائلة مسيحية فلسطينية اسس المدرسة الدستورية في القدس عام ١٩٠٩ بوصفها مشروعا ثقافيا وسياسيا. اللغة العربية، والموسيقى، والتربية الجسدية لم تكن تفاصيل، بل ادوات لبناء انسان يعرف ذاته. في مواجهة خطاب استعماري ينكر على الفلسطيني ثقافته. ولهذا لم ينظر الى هذا النموذج كإنجاز يجب الحفاظ عليه، بل كخطر يجب تفكيكه. فوجود تعليم وطني مستقل يتناقض جوهريا مع اي مشروع احتلالي.
الامر نفسه تكرر في السياسة. عام ١٩٤٧ وقف اميل الغوري امام الامم المتحدة ليجادل ضد تقسيم فلسطين. لم يكن صوتا فرديا، بل ممثلا لقيادة سياسية واضحة. ولد في القدس لعائلة مسيحية، وكان امينا عاما للهيئة العربية العليا. بعد النكبة نفي ومنع من العودة. الرسالة كانت بسيطة. التمثيل السياسي الفلسطيني يعاقب بالاقصاء.
عد عقود دخلت حنان عشراوي المساحة ذاتها. لا بوصفها صوت سلام، بل بوصفها ذاتا سياسية كاملة. اصرت على تقديم الفلسطيني كحقيقة، لا كملف تفاوضي. لم تمنح المساحة، بل انتزعتها.
في الثقافة لم يكن الامر مختلفا. مي زيادة المولودة في الناصرة لم تكن مجرد كاتبة متعددة اللغات، بل جزءا من العقل النهضوي العربي. ابعادها عن فلسطين لم يحد من اثرها، كما لم يحد من اثر كثير من المفكرين الفلسطينيين الذين تجاوز حضورهم حدود الوطن المسلوب.
بنا ايضا من الناصرة لم تغن فلسطين بوصفها حنينا، بل بوصفها ذاكرة حية. في صوتها تحولت الثقافة الى فعل مقاومة، لا خلفية عاطفية.
وحين وصل الامر الى الذاكرة نفسها جرى تجريمها. انيس صايغ المولود في طبريا ساهم في كتابة الموسوعة الفلسطينية، ووثق النكبة بلغة دقيقة. عام ١٩٧٢ تلقى رسالة مفخخة. فتحها، فانفجرت. نجا جسده، لكن الرسالة وصلت. كتابة التاريخ الفلسطيني تعامل كتهديد امني للمستعمر
دوارد سعيد، ابن القدس، فكك هذا العنف الاستعماري المغطى بطبقة ناعمة من الخطاب الاخلاقي، على مستوى السرديات. كشف كيف تستخدم المعرفة والاعلام لتجريد الفلسطيني من الفاعلية، وكيف يعاد انتاجه كضحية صامتة صالحة للاستهلاك. ورفض هذا الموقع، مؤكدا ان الثقافة والكتابة ليستا زينة، بل ساحتين من ساحات النضال.
لم تحم الصهيونية المسيحيين الفلسطينيين. بل استخدمت وجودهم كواجهة اخلاقية، وكدليل مصطنع على التسامح، بينما كانت تعمل على تفكيك المجتمع الذي ساهموا في بنائه حجرا حجرا. فالحماية لا تقاس ببقاء افراد متفرقين، بل ببقاء البنية التي تمنح المجتمع معنى ودورا ومستقبلا.
تستمر هذه الاكذوبة الاستعمارية لانها مريحة، خصوصا داخل خطاب مسيحي عالمي اختار الطمأنينة على الحقيقة. خطاب جعل التطهير العرقي يبدو غير مقصود، والسلب يبدو انسانيا، والجريمة مجرد سوء فهم تاريخي.
لكن الحقيقة ابسط، واقسى. المسيحيون الفلسطينيون لم يكونوا هامش بل اكانوا اساسا واستهداف الاساس هو الطريقة الاكثر فاعلية لمحو شعب كامل، من دون الحاجة الى اعلان ذلك صراحة. وهذه هي تحديدا وظيفة الكذبة، ان تبرر الابادة وان تمنح النظام الصهيوني غطاء اخلاقيا لخرابه.
تنويه صغير، الترقيم قد يكون غير دقيق لأن هذه المنصة لا تدعم العربية بشكل كامل.








المقدمة المضافة حلوة كتير. والمقال جاي على خطّك المعروف، نص واعي بثقله