القصف يستعر، والطغاة لا زالوا يسمّونه «هدنة». وكأنّ للموت أدبًا في الاستئذان، يقرع على أبوابنا بقنابل الموت.
ضوء الهاتف الأزرق يلطخ السقف كجرح لا يندمل. أكتب جملة فتمحوها أصابعي قبل أن تكتمل، كأنّ الكلمات تخاف أن تولد في هذا الزمان. أمرّر إصبعي على صور تذوب في كلمات، وكلمات تذوب في صمت، حتى يختلط الجرم بالغضب ويصبح كله ضجيجًا يعصر الأذنين. لا أستطيع أن أحشر الحقيقة في فقرة، فأمحوها كلها غاضبة، لأنّ إنهاء الجملة يعني أن أختار أيّ جرم أقدّمه على المذبح، وهناك من الجرائم ما يملأ المحيطات.
أمضيت أولى شهور هذا العام كله غارقة تحت الماء، بينما يتفاوض الآخرون عن حالة الطقس.
أتذكر زمانًا كانت فيه الجريمة تبدو جريمة. زمانًا لم يكن القتل يحتاج إلى تصويت ليصبح قتلًا، ولم يكن الدم يحتاج إلى تبرير ليصبح دمًا. كانت اليدان ترتجفان بعد القتل، لم تكونا ترتجفان قبله خوفًا من القانون.
أما الآن، فيصوّتون ليكسوا الجريمة ثوب القانون. اثنان وستون صوتًا للشنق، وثمانية وأربعون ضدّ الطريقة لا ضدّ الفعل. كأنّ عدد المصوّتين يغير من طول حبل المشنقة، وكأنّ الختم الرسمي يجعل الحبل أقلّ خنقًا.
صوّت الكنيست على أن يكون الشنق «العقاب» الافتراضي للفلسطينيين لمجرد أنهم فلسطينيون.
هم لا يحتاجون قانونًا لإلقاء القنابل على خيمنا. لا يبالون بطلب الإذن من القانون حين يحرقون قراكم. يرتكبون جرائمهم بعفوية الوحش، لكنّهم يحتاجون القانون ليبدوا أقلّ همجية. يحتاجون التصويت ليقولوا للعالم: انظروا، هذا نظام، هذه حضارة، هذا ترتيب. كما فعل الأمريكيون من قبلهم، والنازيون قبل ذلك. هل يتعلّم الوحش من تاريخه أم يعيد اختراع وحشيته؟
القانون لا ينطبق على المستوطنين الذين يحرقون عائلاتنا وبيوتنا. إنه لا ينطبق على القناصة الذين يصوّبون على رؤوس أطفالنا وصدورهم الصغيرة. ينطبق علينا وعلينا فقط. قانون الاحتلال قرر أنّ دمنا مستباح قبل أن تبدأ المحاكمة، بل قبل أن تُرتكب الجريمة. وفي غيابها تُلفَّق الأكاذيب للمقاومين والجاثين على ركبهم سواء.
يُلهوننا عمدًا عن الكارثة. تحيط بنا الدخان والمرايا، ونحن نضيع الوقت في مناقشة مدى بشاعته، مدى قسوته، مدى وحشيته. ولماذا نتناقش في عنجهية الطاغية؟ ما نفع ذلك للضحية؟ هل يخفف ألم السكين إذا وصفناها بأنها حادة؟
ماذا لو لم يكن قانونًا؟ ماذا لو كانوا قد اغتصبوا الرهائن الفلسطينيات حتى تحطمت أجسادهم؟ ماذا لو درّبوا الكلاب على تمزيق الرضّع والحوامل؟ وماذا لو كان كل هذا قد حدث فعلًا؟ ماذا سيحدث حينها؟
هل نظنّ أن تسميته «قانونًا» يجعله أقلّ قتلًا؟ هل نصدق أن تسمية النظام تغيّر النظام؟ هل نعتقد أن الكلام مع من يعرف الاحتلال أصلًا وفصلًا سيوقف الآلة عن الدوران؟
«هل تدين حماس؟» «هل تستحق إسرائيل الوجود؟»
ليست هذه أسئلة. إنها ثوب شرعية مُفصَّل على مقاس الوحش. رداء خُيط من لغة القانون الدولي وحقوق الإنسان، ليقول العالم: انظروا، إنهم يحاولون أن يكونوا متحضرين. وإن كانت الحضارة لا تباع ولا تشترى.
يستعيرون العبارات والكلمات ليبدوا قانونيين. يلفّون الإبادة بلغة الردع والأمن. والسؤال ليس عن العنف، بل عن الشرعية. الجميع يعرف. والجميع يتظاهر بعدم المعرفة. هذه هي الرقصة وأول الرقص حنجلة.
أكثر من تسعة آلاف وثلاثمئة فلسطيني محتجزون في سجون الاحتلال. عدد يفوق سكان بعض القرى. منهم نساء، منهم أطفال، يموتون تحت التعذيب والتجويع والإهمال الطبي المتعمد. ونحن هنا نناقش: هل الإعدام قانوني؟ هل الطريقة مهمة والنتيجة واحدة؟ هل موافقة النظام تجعل القتل شيئًا آخر غير ما هو؟
أتوسّل إليكم: لا تناقشوا. ولا تغضبوا فغضبكم يحرقكم ويحرق الضحية معكم. ثوروا واحرقوا المجرم. دعوهم يتجرعون سمّهم. لا دواء للوحشية إلاّ الهمجية ذاتها.
النظام وراء هذا المسرح واضح والنقاش يخدم الأثرياء الأنجاس الذين سرقوا منكم ومنا حتى هذه الحياة الهزيلة. يحتاجون أن يبدو الوحش شرعيًا ليمضوا في طريقهم غير آبهين بالضجيج. تصل الأسلحة في مواعيدها المضبوطة، ونحن نراقب العالم يتناقش في الطقس.
ثوروا أو هلكوا، هذا خياركم.
يومض المؤشر مرة أخرى في الغرفة المظلمة وهذه المرة، لم أمحُ الجملة. بقيت الشاشة مضاءة وقد اتخذت قراري. أثور حتى النصر.
هذه الامرة لن نذهب كالغنم إلى المذبح. لن ننتظر إذنًا لنكون أحرارًا. لن نسأل الطاغية إذا كان قتله لنا قانونيًا فالحرية يا أعزائي لا تُشرَّع بل تُنتزع.



